مشكاة

الجسم و العناصر الأربعة

الجـــســم والعنــــاصـــــر الأربـــعـــــــة : الماء و الهواء و الأرض و النار

  على مرور السنين و عبر تاريخ الانسان، عُرفت العناصر الأربعة و هي الماء والهواء والنار والأرض على كونها قوىً ذات تأثير بالغ على حياتنا و أجسامنا. ترجع تجربة الإنسان مع هذه العناصر إلى منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد. إذ توصل الفيلسوف اليوناني “أمبادوقليس” إلى نظرية العناصر الأربعة الكلاسيكية. تدور هذه النظرية حول العالم الطبيعي و التطور المتسلسل لهذا العناصر و علاقتها بالانسان. و لكن هل توقفت يوماً ما و سألت نفسك لماذا نشعر بالرضا و السعادة عندما نستلقي على الشاطئ أو عند المشي بين الغابات،  أو الجلوس قرب نارٍ دافئة، أو الذهاب في نزهةٍ أو مجرد الخروج في الهواء الطلق؟ و ما الذي يمكنك أن تفعله لخلق نفس هذا الشعور؟  هناك عددٌ متزايد من البحوث و الدراسات التي بدأت في البحث و الكشف عن السر الذي يكمن وراء هذه العناصر و كيفية تأثيرها على صحتنا بشكل خاص و بصورة عامة أسلوب حياتنا.  

    الماء:  

     هو العنصر الحيوي بين عناصر الطبيعة، والذي يمثل الأنهار الجارية على الأرض، والشرايين والأوردة في جسم الإنسان، فالماء والدم يعطيان الحياة لكلّ من الحيوان، والإنسان، والنبات.    هل تتذكر شعورك بالحماس عند رؤية البحر و أنت صغير؟ أوجدت بحوث قام بها المركز الأوروبي للبيئة و صحة الانسان بأننا نفضل الذهاب للشاطئ مقارنةً بباقي الأماكن الخارجية ، و ذلك بأن مجرد قضاء بعض الوقت قرب الشاطئ يولّد شعوراً بالحيوية و السعادة. هذه الأثر الذي يرفع من مزاجيتنا قد يرجع أيضاً للأيونات السالبة التي تنشأ عن ضربات/حركات الأمواج. تساعد الجزئيات المشحونة بالكهرباء في التقليل من التوتر و القلق و الاكتئاب و الأرق. تعلو نسبة نشاطنا كلما ازدادت المدة التي نقضيها قرب الشاطىء. أثر ترميمي على الجسم و الدماغ. يشير د.ديامانديز بأن لدينا ارتباطاً وثيقاً و نامياً مع الماء. بدأ هذا الارتباط في الأصل بطبيعة أجسامنا، فــــــــ 70-80% منها مكون من الماء لذلك ليس من الغريب أن يستشعر الكثير منا بالآثارٍ العلاجية للمياه عند السباحة أو الاستماع لصوت الأمواج أو حتى عندما نستمع لصوت هطول المطر عبر سماعتنا و أجهزتنا  يمكننا توظيف هذا العنصر في حياتنا ببساطة عن طريق الحفاظ على نسبة الرطوبة جسمنا و شرب كميات كافية من الماء للحفاظ على بشرتنا و على توازن ضغط الدم لضمان وصول الأوكسجين لجميع أنحاء الجسم الدماغ . 

 الهواء: 

     يتضمن الهواء النَفَس  الذي نستنشقه، و هناك قوة تكمن وراء تنفسنا و التي لها عددٌ من الآثار على جسمنا و عقلنا. تؤكد مدربة الحياة و الطبيبة النفسية “إيفا مينيزيس كانينغهام” بأن عملية تنفسنا ” breathwork” تساعدنا على الشعور بالراحة و الاسترخاء و الطمأنينة. يتم إرسال إشاراتٍ للمخ عن طريق العصب المبهم “vagus nerve”، عندما تنتفس بصورة صحيحة و سليمة. تقوم هذه الإشارات بإرسال رسالةٍ للدماغ بأن الجسم في حالة أمان. مثالٌ بسيط على تمرين تنفس هو أن تقوم بالعد لثانيتين و تأخذ نفساً ثم تقوم بعملية الزفير لثانيتين. يساعد التوقف بين عملية الشهيق و الزفير على أن تبقى منتبهاً لطريقة تنفسك. عندما تبدأ في الاعتياد على هذه الطريقة، قم  بعملية الشهيق لفترة أطول تدريجياً. هذه العملية تساعدك على إعادة تجديد فترة الراحة و الاسترخاء.  

النار :  

    تمتد علاقتنا بالنار لأكثر من 400،000 ألف سنة منذ أن وجدنا على هذا الكوكب. كان اتمثل النار عدة أشياء الشغف، الرغبة، إعادة البعث، الأبدية، الدمار، الأمل، الجحيم و النقاء. هذه الرموز في الأدب و السينما و  اللدى الكثير منا شمعةً للتأمل أو الاسترخاء – لأن التركيز على شعلة الشمعة و هي تخبو يساعدنا على تعزيز عملية التركيز لدينا. وجدت دراسة نشرت في دورية “إيفالوشنري سايكولوجي” بأن شعورنا بالاسترخاء هو عبارة عن ردة فعل رجعية للانسان في العصر الحجري الذي كان يستمد طاقته من النار، فكلما قضينا وقتاً و نحن نشاهدها كلما انخفض مستوى ضغط الدم و كلما استرخينا أكثر.  يعدُّ هذه هو العنصر التركيبي الأساسي للحياة الطبيعيّة، وهو مع عناصر الهواء، والماء، والنار يشكل الحياة العضويّة، العنصر الأساسي للنباتات التي تمد البشريّة بالغذاء. تعتبر النار من أهم عناصر الطبيعة، وهي تدل على التحول والاحتراق. فعمليّة احتراق المادة وتكون الطاقة تعدّ جزءاً أساسياً لتكوّن الكون، وهي تنطبق على الإنسان بتفكيره، وعقله، وإحساسه، وتنفسه، فبدون عمليّة الاحتراق التي تحدث في جسم الإنسان، لا يمكن القيام بأي نشاط، ومن يمكن أن يعني استخدام النار كعنصر أيضًا الاستمتاع بتأثيرات ضوء الشمس. نعلم أن أجسامنا تفرز فيتامين (د) عن طريق أشعة الشمس على الجلد، لكن أشعة الشمس يمكن أن تخلق أيضًا السيروتونين، “هرمون السعادة”، في الدماغ. وجدت دراسة أسترالية قامت بقياس مستويات المواد الكيميائية في الدماغ أن الناس لديهم مستويات أعلى من السيروتونين في الأيام المشمسة الصافية مقارنة بالأيام الملبدة بالغيوم.، لذا اذهب لقضاء بعض الوقت في الخارج تحت أشعة الشمس لتحسين مزاجك. 

الأرض:  

     الأرض هي الأكثر ثباتًا  و استقراراً  بين جميع العناصر. يشتمل عنصر الأرض على قضاء الوقت في الطبيعة أو الاستمتاع بالمساحات الخضراء أو ممارسة الرياضة في الهواء الطلق. وهناك الكثير من الأدلة التي تثبت أن هذا العنصر حيوي لصحتنا. من المعروف أنه يقلل التوتر ، ويزيد من احترام الذات ، ويخفض ضغط الدم ، ويعالج الاكتئاب ، ويمنع الأفكار السلبية ، ويعزز جهاز المناعة لدينا ، بل ويدفعنا إلى ممارسة الرياضة بشكل مكثف أكثر مما نفعل في صالة الألعاب الرياضية. تعتقد الدكتورة لافينا ديامانديز ، وهي طبيبة عامة متخصصة في طب نمط الحياة  ، أن بيئتنا لها تأثير كبير على سلوكنا ومستويات سعادتنا. تقول: “هناك العديد من الفوائد للتواجد في الخارج ، من ضوء الشمس الذي نحتاجه لإنتاج فيتامين د، الموجود فقط في الطبيعة والذي ثبت أنه  يخفف التوتر ، ويدعم النوم.” غالبًا ما تصف التنزه في الغابة ، والمشي، والبستنة على أنها أنشطة لزيادة مستويات التمرين ، و “لكسب فوائد الاقتراب من الطبيعة” أيضًا.لكن لا يتعين عليك قضاء كل وقت فراغك في الهواء الطلق لتوظف عنصر الأرض في حياتك. وجدت إحدى الدراسات ، التي أجرتها جامعة إكستر ، أن قضاء ساعتين فقط في الأسبوع في الطبيعة مرتبط بالشعور بأنك أكثر صحة وسعادة إذ “يمكنك قضاء بعض الوقت على مدار أسبوع أو أن تقضي فترة طويلة لمرة واحده. جرب أن تضع قدميك على العشب أو على رمال الشاطئ. أينما كنت ، اصطحب نفسك للخارج واترك هاتفك في المنزل. انغمس تمامًا في الطبيعة و ستجرب بنفسك كيف سيؤثر ذلك إيجاباً على عقليتك و ارتباطك بعنصر الأرض. يعتبر تناول الخضروات الجذرية ؛ التي تنمو في أعماق التربة  أو تحت الأرض مثل البطاطس والجزر والذرة والدخن والحمص والقرع والبنجر والبطاطا و طريقةً رائعة ومثلى لتوظيف عنصر الأرض في حياتنا . 

لا شك في أن هذه العناصر تلعب دوراً جوهرياً في صحتنا إذ إن الإخلال بها يؤثر سلباً على صحتنا ويصيبنا بالأمراض تعمل العناصر الأربعة كدليل قوي لكيفية التعايش مع الطبيعة. كل نفس تسنشقه من الهواء يريحنا. تمنحنا النار القوة والطاقة. نتعلم أن نتدفق ونكون أكثر سيولة مثل الماء. تذكرنا الأرض بالشفاء وتغذية أنفسنا. عندما نتماشى مع العناصر الأربعة ، يصبح وجودنا أقوى و نشاطاً أكبر ونستفيد من حكمة الحياة نفسها. يميل كل منا إلى الاعتماد على جزء واحد من ذاته ورفض الآخر. على سبيل المثال ، في مجتمعنا الحالي نركز على أجسادنا المادية (الأرض) وننسى جوهرنا الروحي (النار). نحن نعتمد على عقولنا (الهواء) لكننا نتجاهل ذواتنا العاطفية (الماء). 

 . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.